الدرس 1, موضوع 1
في تقدم

تقييم الوضعية الثابتة والمتحركة للجسم Static & Dynamic Postural Assessment

Ali 16/05/2024

قبل الخوض في الحديث عن موضوع تقييم وضيعة الجسم أو القوام، من الضروري أن نتفق هنا على المصطلحات التي سيتم استخدامها في هذا الفصل بشكل خاص، فهناك العديد من المصطلحات المستخدمة في اللغة العربية للدلالة على وضعية الجسم ومنها القوام والهيئة والشكل العام والمظهر الخارجي، وجميعها تُستخدم كمرادفات لمصطلح واحد في اللغة الإنجليزية وهو الـ (Posture)، والذي سيكون محور حديثنا في السطور القادمة.

 لذلك وجب أن ننوه قبل كل شيء أننا سنقوم باستخدام ثلاث مصطلحات بالتبادل وهي القوام ووضعية الجسم والهيئة، للدلالة على الـ (Posture)، وحسب ما تقتضيه الضرورة اللغوية، فهدفنا الأساسي إيصال الفكرة للقارئ بالشكل الصحيح.  

القوام

 (Posture)

المقصود بالقوام أو وضعية الجسم بأنها الطريقة التي يتموضَع بها الجسم ضد الجاذبية، حيث تساعد الوضعية الجيدة على تقليل كمية الضغوط المفروضة على العضلات والمفاصل والأوتار والأربطة أثناء القيام بالأنشطة اليومية.

ويتعدى مفهوم القوام السليم المظهر الخارجي، فهو يعني أن العلاقة البيوميكانيكية بين أجزاء السلسة الحركية هي علاقة سليمة، وأن كل حلقة من حلقات هذه السلسة (أي الجهاز العصبي والجهاز العضلي والجهاز الهيكلي) تعمل بكفاءة وبأعلى درجات التوافق فيما بينها، لأن القوام السليم هو أساس الحركة السليمة.

فيما يلي نوعين للوضعية سنتحدث عنهما بالتفصيل:

  • الوضعية الديناميكية (Dynamic Posture)

تُعرف أيضاً بالوضعية الحركية، وتتمثل في حالة الجسم أثناء الحركة، كالمشي والركض والإنحناء لالتقاط شيء ما. فعادة ما يُتوقع من الجسم تهيئة ذاته بطريقة معينة أثناء الحركة، إذ يجب أن تعمل العضلات، بالإضافة إلى الأنسجة الأخرى مثل الأوتار والأربطة والأنسجة الضامة، والتي لا تنقبض أثناء الحركة (غير المنقبضة – Non-Contractile Structures)، لتتكيف مع الظروف المتغيرة للجسم أثناء حركته.

  • ·         الوضعية الستاتيكية (Static Posture)

تُعرف أيضاً بالوضعية الثابتة، وتتمثل في حالة الجسم وهو ثابت، أي عند الجلوس أو الوقوف أو النوم، بحيث تكون أجزاء الجسم المختلفة في وضع ثابت.

فما يحصل هو أن أجزاء الجسم المختلفة تتخذ ترتيباً معيناً يحافظ عليها في وضعية الثبات، ويتم تحقيق ذلك عادة من خلال التنسيق والتعاون بين المجموعات العضلية المختلفة التي تنقبض انقباضات ثابتة أي بشكل آيزومتريIsometric Contraction) ) لمواجهة الجاذبية والقوى الخارجية الأخرى التي تؤثر على الجسم.

من الضروري الانتباه والتأكد من أن لديك الوضعية الديناميكية السليمة، وكذلك الوضعية الثابتة السليمة لكي تتمكن من التحرك براحة، وبدون آلام.

أهمية القوام السليم

تتجلى الكفاءة العصبية العضلية في قدرة الجهازين العصبي والعضلي على التواصل بشكل مثالي لإنتاج حركة مثالية. ويسمح القوام السليم وانتظام وضعية الجسم بضمان درجة الكفاءة العصبية العضلية المثالية، مما يساعد على أن تكون الحركة الناتجة عن هذه المنظومة فعّالة وآمنة. حيث تساعد وضعية الجسم الصحيحة على إبقاء العضلات بطولها الصحيح، ما يسمح للعضلات بالعمل معاً بشكل صحيح، الأمر الذي يضمن الحركة المناسبة للمفاصل ويساعد على الامتصاص الفعّال والتوزيع المناسب للقوى في جميع أنحاء السلسلة الحركية، مما يخفف من الضغط الزائد على المفاصل ويسمح بإنتاج الحد الأقصى من القوة، كما ويقلل من خطر التعرض للإصابة.

ومثلما يساعد القوام السليم الجسم على إنتاج مستويات عالية من القوة الوظيفية، فإن غيابه قد يؤدي الى تدهور الجسم، لإن الوضعية غير السليمة هي وضعية ضعيفة، وينتج عنها تغيُّراً في أنماط الحركة الطبيعية. بالإضافة إلى أنها تخلق حالة من الاختلال أو عدم التوازن العضلي، وهذه الاختلالات بدورها قد تتسبب في حدوث الإصابات الشائعة مثل التواء الكاحل والتهابات الأوتار وآلام في أسفل الظهر، وغيرها من مشاكل السلسة الحركية.

من هنا تأتي أهمية تقييم القوام، إذ أن إلقاء نظرة سريعة على وضعية الجسم في حالة الثبات يُمكّننا من تحديد أي انحرافات إجمالية في وضعية الجسم عما يجب أن تكون عليه الوضعية السليمة. كما أن تقييم الوضعية الديناميكية للجسم يُمكّننا من ملاحظة الحركات الأساسية ويزودنا بمعلومات في غاية الأهمية عن درجة التنسيق والتناغم بين عمل العضلات والمفاصل.

ما الذي يحدد شكل القوام؟

إن مفتاح القوام السليم هو الحالة التي يكون عليها العمود الفقري. وبالرجوع للباب الأول من سلسلة علم حركة جسم الإنسان نتذكر أن للعمود الفقري ثلاث انحناءات طبيعية، انحناء عند الرقبة، وآخر عند منتصف الظهر، أما الأخير ففي نهاية الظهر.

إن وجود هذه الانحناءات ضروري لإعطاء العمود الفقري القدرة على تَحمُّل الضغط الميكانيكي الذي يتعرض له في وضعيتي الحركة والسكون. ويُطلق علىالمنحنى الأمثلللعمود الفقري مصطلح العمود الفقري المعتدل

((Neutral Spine، وهو مصطلح يصف الوضع الطبيعي والسليم للعمود الفقري، حيث تجتمع كل الإنحناءات لتشكلالوضعية الأفضل التي تضع أقل قدراً من الضغط على الفقرات والأنسجة المرتبطة بها. لذلك للمحافظة على القوام السليم، عليك أن تسعى دائماً للمحافظة على الوضعية الصحيحة لهذه الإنحناءات.

من الضروري جداً أن تنتبه لكي لا تزيد هذه الانحناءات نتيجة لاتخاذ وضعيات خاطئة خلال ممارسة النشاطات اليومية، وكذلك نتيجة لاتخاذ وضعيات سيئة أثناء الراحة، مما يؤدي إلى حدوث تغيير في شكل هذه الانحناءات، ويُفقد العمود الفقري انحناءه الطبيعي المعتدل، فينتج عن ذلك القوام غير السليم.

بشكل عام لإبقاء القوام في الوضعية السليمة من الضروري أن نحافظ على بقاء الرأس فوق الكتفين، من دون أن يكون متقدماً إلى الأمام أو متدلياً باتجاه الصدر، وأن يكون الجزء العلوي من الكتفين يعلو الوركين بشكل مباشر، فلا يوجد تقوس في الاكتاف، أو إنحناء إلى الأمام.

شكل القوام المثالي، كيف يكون؟

إن الوضعية المثالية للجسم تعني أنه على خط الجاذبية أن يمر عبر نقاط محددة في الجسم. وخط الجاذبية هو خط عامودي وهمي يمر من مركز ثِقل الجسم إلى الأرض أو السطح الذي يكون عليه الشخص (ويقع مركز ثقل الجسم تقريباً أمام الفقرة العجزية الثانية(S2 ، وهو الاتجاه الذي تؤثر به قوة الجاذبية على الشخص وفي الوضعية التشريحية يكون خط الجاذبية بين الساقين وتكون القدمان تحت الوركين مباشرة. ارجع للفصل الرابع من الباب الأول (الميكانيكا الحيوية) لتعرف أكثر عن الوضعية التشريحية وعن مركز ثقل الجسم.

لتقييم وضعية الجسم، أنظر إلى الجسم نظرة جانبية (Lateral View) وحاول أن تتخيل وجود الخط العامودي الذي يمر نظرياً عبر مركز الجاذبية، وتخيل مرور هذا الخط من أعلى الرأس إلى أخمص القدمين كما في الشكل رقم (8)، حيث يجب أن يمر هذا الخط بنقاط معينة، ابتداء بشحمة الأذن، ثم عبر مفصل الكتف ومفصل الورك (بالتحديد عبر المَدْوَر الكبير لعظم الفخذGreater Trochanter – ) ونحو مفصل الركبة قليلاً الى الأمام منه، مروراً أخيراً ببروز الكاحل (قليلاً الى الأمام من الكعب الوحشيLateral Malleolus – ).

 من الجدير بالذكر أنه في الوضعية الطبيعية المثالية للعمود الفقري المعتدل يكون الحوض مائلاً إلى الأمام قليلاً مشكلاً زاوية مقدارها 30 درجة بين الجزء العلوي من العجز (مكان ارتباط آخر فقرة قطنية بالعجز) ومحور مفصل الورك الموجود الى الأمام من العجز (رأس عظمة الفخذ على وجه الدقة).

الآن أنظر إلى الجسم من الأمام (Anterior View)  أو من الخلف(Posterior View) ، حيث يجب أن يقسم هذا الخط الجسم إلى نصفين متساويين، بحيث يتوزع وزن الجسم -متمثلاً بأجزاء الجسم- بالتساوي وبشكل متناظر على جانبي مركز الجاذبية.

من المهم عند إجراء عملية تقييم القوام أن ننظر إلى التناسق ودرجة الدوران أو الميلان من ثلاث جهات، وهي الأمامية والخلفية والجانبية، مع التركيز على كل من:

  • اتساق الرأس.
  • مدى الانحناء في العنق والصدر والفقرات القطنية.
  • تناسق مستوى الكتف.
  • تناظر الحوض.
  • اتساق مفاصل الورك والركبة والكاحل.

في السطور القادمة سنتحدث أكثر عن تقييم شكل القوام في وضعيتي الثبات والحركة، ولكن سنتطرق بداية إلى بعض الأنماط الوضعية الخاطئة والشائعة والتي من الممكن أن نراها في العمود الفقري.

الشكل رقم (8)

بعض الأمثلة على وضعيات الجسم الخاطئة

  • القَعَس المفرط  (Hyperlordosis): ويعرف أيضاً بالانحناء المفرط وهو الحالة التي يكون فيها الانحناء/التقعُّر الداخلي الطبيعي في المنطقة القطنية للعمود الفقري مبالغ به، ويبدو الحوض في هذه الوضعية مائلاً للأمام (Anteriorly Tilted) . ويُطلق على التقعُّر الطبيعي باللغة الإنجليزية مصطلح Lordosis)) . أنظر الصورة B في الشكل رقم (9).
  • تحدب العمود الفقري(Hyperkyphosis) : وهي الوضعية التي يكون فيها التحدب الطبيعي للعمود الفقري في مناطق الفقرات العجزية أو الصدرية متزايداً لدرجة مفرطة. أنظر الصورة C في الشكل رقم (9). وتجدر الإشارة هنا أن التحدب الطبيعي يُطلق عليه باللغة الإنجليزية مصطلح (Kyphosis) إلا أنه في بعض الأحيان يُستخدم للدلالة على حالة التحدب المفرط أيضاً وبالتالي يُستخدم كمرادف لمصطلحHyperkyphosis) ).    
  • وضع الظَهر المسطَّح(Flat Back Posture) : في هذه الوضعية يتجه الرأس للأمام  (Forward Head Position)نتيجة لحدوث مَدْ متزايد في فقرات العنق والصدر (Cervical and Thoracic Extension)مع الميلان الخلفي للحوض(Posterior Pelvic Tilt)  وفقدان الانحناء الطبيعي للفقرات القطنية (Lumbar Curvature) . انظر الصورة D في الشكل رقم (9).
  • وضع الظهر المتمايل(Sway Back Posture) : يكون الظهر منحنياً ويميل الرأس فيه للأمام، نتيجة للمَدْ المفرط في فقرات العنق وللثني المفرط في فقرات الصدر (Thoracic Flexion) ، بالإضافة لميلان خلفي للحوض، حيث يقل الإنحناء الطبيعي في المنطقة القطنية، مع حدوث مَدْ مفرط لمفصلي الورك والركبة (Hyperextension)  وازدياد بسيط في الثني الاخمصي (Plantarflexion). انظر الصورة E في الشكل رقم (9).
الشكل رقم (9)

تقييم الوضعية “الستاتيكية” الثابتة

(Static Postural Assessment)  

إن وضعية الجسم الثابتة أو كيف يقدم الفرد نفسه جسدياً في وضعية معينة يمكن أن تُعتبر الأساس الذي يتحرك منه الفرد، وتنعكس هذه الوضعية على اتساق وانتظام الجسم (أي على علاقة أجزاء الجسم المختلفة ببعضها البعض ووجود العضلات والمفاصل في مكانها الصحيح). وهذه الوضعية هي الأساس أو المنصة التي تقوم منها الأطراف بأداء وظائفها، وكما هو الحال في أي بنية هيكلية فإن الأساس الضعيف الناتج عن وضعية ضعيفة أو قوام غير سليم سيؤدي حتماً إلى ظهور مشاكل ثانوية في مكان آخر في هذا النظام.

يُعتبر تقييم الوضعية لثابتة الأساس لتحديد ما إذا كان الشخص يعاني من وجود أي نوع من الاختلالات العضلية، فهو يزودنا بمؤشرات ممتازة على وجود مشاكل معينة أو نقاط ضعف تحتاج إلى المزيد من البحث والتقييم لتتوضح المشكلة بشكل أفضل، كما أنه يوفر أساساً لتطوير إستراتيجيات التمرين والخطة التدريبية لاستهداف العوامل المسببة للأنماط الحركية الخاطئة، وبالتالي أسباب ضعف أو غياب الكفاءة العصبية العضلية.

يمكن اعتبار الوضعية الثابتة -إلى حد ما- خارطة طريق لكيفية استخدام الشخص لجسمه خلال فترة حياته. والشيء المثير للاهتمام هو أن الجسم لديه ميل للتعويض(Compensation)  في حال وجدت الاختلالات العضلية، وذلك باستخدام أنماط تعويضية معينة نتيجة لظهور علاقات جديدة بين العضلات.  وقد تمت دراسة هذه الأنماط ووصفها في عام 1979 من قبل الدكتور فلاديمير جاندا Janda” “Dr. Vladimir حيث حدد ثلاثة أنماط تعويضية أساسية، باعتبارها أنماطاً للتشوهات الوضعية الأكثر شيوعاً (Distortion Patterns (Postural. إلا أن هذه التشوهات هي ليست بالعيوب الخَلقية، وانما هي تغييرات في الشكل الطبيعي للقوام نتيجة لتوظيف هذا القوام واستخدامه بشكل غير صحيح. وتشمل الأنماط الثلاث الأكثر شيوعاً من التشوهات الوضعية، الأنماط التالية:

  • متلازمة تفلطُح القدمين (Pronation Distortion Syndrome): وتُعرف أيضاً بمتلازمة تشوه الانكباب، وتتميز بوجود انبساط أو تسطّح للقدمين Flat Feet)) واصطكاك أو تقارب الركبتين واستدارتهما إلى الداخل وهو ما يُعرف بالركْبَة الرَوحاء Knock Knees)).
  • متلازمة التشابك السفلية(Lower Crossed Syndrome-LCS) : وتتميز بالميل الأمامي للحوض (Anterior Pelvic Tilt)  ما يؤدي إلى تقوس أسفل الظَهر(Arched Lower Back).
  • متلازمة التشابك العلوية(Upper Crossed Syndrome-UCS) : وتتمثل بتقدم الرأس و بروز الذقن للأمام واستدارة الكتفين .

هذه الأنماط هي ما سنقوم بالبحث عنه أثناء القيام بعملية تقييم وضعية الجسم الثابتة. والبحث عن هذه الأنماط بالتحديد لا يعني أنه لا يوجد انماطاً أُخرى للتشوهات الوضعية، إلا أن هذه الانماط هي الأكثر شيوعاً ويمكن التنبؤ بها في حال وجِدت اختلالات عضلية معينة. ومما يسترعي الاهتمام هو تأثير الاختلالات العضلية على باقي اجزاء السلسة الحركية، إذ ينتج عن اختلال التوازن العضلي في مكان معين تأثيراً يشبه “تأثير الدومينو”، بحيث يتسبب بسلسلة من الانحرافات في الوضعية الطبيعية للقوام، والشكل النهائي لهذا الانحراف الناتج عن سلسلة التغييرات هذه هو في العادة شكلاً يمكن التنبؤ به، لأنه يتبع نمطاً خاصاً مميزاً. 

الجدير بالذكر هنا، أن جميع هذه الأنماط تتميز بوجود مجموعات عضلية مشدودة بشكل كبير(Tight) بسبب فرط النشاط، مقارنة بالمجموعات العضلية المعاكسة أو المضادة لها (Antagonist Muscles) والتي تكون ضعيفة جداً(Weak)  بسبب الخمول أو قلة النشاط (Underactive) ما يتسبب في إطالتها. فعندما تكون هناك عضلة حول المفصل في حالة نشاط مفرط (Overactive) لفترة طويلة فإن هذا من شأنه أن يقلل من التحفيز العصبي الذي يجب أن تتلقاه العضلة المضادة لها، ما يضعف العضلة المضادة ويتسبب في اطالتها، الأمر الذي يسبب حالة من عدم التوازن في أطوال العضلات حول المفصل، وهذا الاختلال يسحب الجسم إلى أوضاع غير مواتية، ويسبب ظهور حركات خاطئة، مما يؤثر على كفاءة الحركة والأداء المتوقع من السلسلة الحركية.

فالعضلة التي تكون أقصر أو أطول من الطول المثالي الذي يجب أن تكون عليه في الوضع الطبيعي نتيجة لفرط أو قلة النشاط، سينتج عنها انقباض عضلي أقل من المثالي، لأن هناك علاقة ميكانيكية مهمة بين طول العضلة وقدرتها على أن تنتج التوتر أو قوة الشد المطلوبة منها بالشكل الأمثل(Length -Tension Relationship) ، واختلال هذه العلاقة يقلل من كفاءة الانقباض العضلي ويخلق حالة من عدم التوازن العضلي حول المفاصل.

عندما يُلاحظ الجسم أن هناك عضلات ضعيفة غير قادرة على القيام بعملها بالشكل المطلوب “كمُحرِّك رئيسي” (Prime Mover)، فإن العضلات “المساندة”  (Synergists) المحيطة بها تأخذ على عاتقها مسؤولية العمل على تحريك المفصل للتعويض عن ضعف المُحرِّك الرئيسي، ما يجعل العضلات المساعدة أو المساندة تعمل بجهد أكبر وأكثر مما هو متوقع منها، ويطلق على هذه الظاهرة “الهيمنة التآزرية ” أي سيطرة العضلة المساندة

(Synergistic Dominance) .

على الرغم من أن هذه العملية تساعد الأفراد على الانتقال من مكان لآخر والقيام بالحركات التي يريدونها، إلا أنها لا تضمن حدوث الحركة بأفضل طريقة ممكنة، لذلك فهي قد تؤدي إلى الإصابة، أو إلى انخفاض مستوى الأداء، وبالتالي هي ظاهرة غير صحية ينتج عنها أنماط حركية خاطئة، فالعضلة المساندة هنا تلعب ادواراً غير مخصصة لها ما يجعلها عرضة للإصابة بسبب زيادة الحِمل عليها، ويعرض الأنسجة المحيطة للإصابة أيضاً.

ماهي العلامات المميزة لكل نوع من أنواع التشوهات الوضعية؟

  • متلازمة تفلطُح القدمين (Pronation Distortion Syndrome)

أنظر الشكل رقم (10) الذي يبين وضعية الأقدام والركبتين في حال وجود متلازمة تفلطح القدمين، حيث تتميز هذه المتلازمة بوجود انكباب مفرط (Overpronation) للقدمين بحيث تنبسط القدمين ويختفي تقريباً التقوس الداخلي الطبيعي الموجود في القدم ويرافقه تقريب للركبتين (Adduction) ودوران عظمتي الظنبوب إلى الداخل (Internal Rotation).

هذا الاختلال أو التشوه الوضعي يؤدي الى حدوث سلسلة من الاختلالات العضلية في جميع أنحاء السلسلة الحركية، مما يزيد من احتمالية ظهور مشاكل وآلام في القدم والكاحل والركبة والورك وحتى أسفل الظَهر. كما أن لمتلازمة تفلطُح القدمين تأثيرات سلبية على الحركة والأداء بشكل عام، حيث إن انبساط أو تسطُّح القدم المفرط سيؤدي إلى عدم انتظام في وضعية الجزء السفلي من الجسم بالكامل، مما يقلل من قدرة العضلات القوية مثل عضلة الفخذ الرباعية الرؤوس (Quadriceps) والعضلة الألوية الكبرى (Gluteus Maximus) على إنتاج القوة بالشكل المطلوب منها، الأمر الذي يُقلل من كفاءة الحركات بشكل عام. فانبساط القدم أثناء حمل الوزن (مثلاً في حالة الوقوف أو المشي) يتسبب في حدوث تغييرات في الوضعية الطبيعية لعظم الظنبوب وعظم الفخذ والحزام الحوضي، وبالتالي اضطراب للعلاقة الطبيعية التي تربط هذه العظام ببعضها البعض، الأمر الذي يمكن أن يخلق توتراً إضافياً على الأطراف السفلية والحزام الحوضي نتيجة لحالة الدوران الداخلي الحاصل في هذه العظام، مما قد يؤدي إلى زيادة الضغط على الأنسجة الرخوة مثل اللفافة الأخمصية Plantar Fascia)) ووتر الرضفة (Patellar Tendon)، ويزيد من الضغط على المفاصل.

يلخص الجدول رقم (14) العضلات التي تكون في حالة قصر شديد نتيجة لفرط النشاط، وبالمقابل العضلات التي تعاني من الضعف وقلة النشاط، حيث ستسمح حالة عدم التوازن هذه بظهور هذا النوع من التشوهات الوضعية.

الجدير بالذكر، أن هذه المتلازمة تحدث بشكل رئيسي نتيجة لوجود خلل بيوميكانيكي في القدم، إذ يلعب هذا الخلل دور الشرارة التي تُشعل فتيل الأزمة، والتي ينتقل تأثيرها من القدم إلى الأجزاء العلوية، ومن العوامل التي تساهم في تفاقم هذا الخلل ارتداء الأحذية الضيقة أو المهترئة أو غير المناسبة للقدم، المشي دائماً على أرضيات صلبة ومسطحة، ضعف عضلات الساق، بالإضافة إلى وجود عيوب خَلقية أو عوامل وراثية تتعلق ببنية القدم. إلا أنها يمكن أيضاً أن تنتج عن وجود خلل في مفصل الورك أو ما يعرف بالمجموعة القطنية الحوضية الوركية (Lumbo-Pelvic-Hip Complex/LPHC)، حيث ينتقل تأثير هذا الخلل إلى أسفل السلسة الحركية ويسبب ظهور أعراض متلازمة تفلّط القدم.

الشكل رقم (10)
الجدول رقم (14)
  • متلازمة التشابك السفلية(Lower Crossed Syndrome – LCS)

أنظر الشكل رقم (11) الذي يبين وضعية الجسم في حالة وجود متلازمة التشابك السفلية، بحيث نلاحظ تقوس منطقة أسفل الظَهر والميل الأمامي للحوض. وينتج هذا النمط من التشوهات الوضعية عن وجود اختلال في التوازن العضلي في كل من الجزء الأمامي والخلفي لمنطقة الورك متمثلاً بالنشاط المفرط لمجموعات عضلية معينة، يقابلها ضعف في المجموعات العضلية المضادة لها، والجدير بالذكر أن فترات الجلوس الطويلة، من شأنها أن تسبب هذا النوع من الاختلال في التوازن العضلي. أنظر الجدول رقم (15).

إن ملاحظة وتقييم منطقة الحوض أمراً في غاية الاهمية لأنها تربط الجزئين العلوي والسفلي من الجسم، فبينما نمشي يتحرك الحوض إلى الأمام والخلف، ويدور ويميل، بينما تتأرجح أرجلنا مع كل خطوة. كما ويتأرجح الكتفين والذراعين بعكس اتجاه الساقين، ونتيجة للدور المحوري الذي يلعبه الحوض في حركة الجسم، فإن سلامة منطقة أسفل الظهر والوركين ستؤثر على سلامة الجسم بشكل عام.

ونحن في عصر تعتمد فيه المهن والتواصل والترفيه على التكنولوجيا الرقمية الثابتة والمحمولة، الأمر الذي يجعل الناس تجلس أكثر، وتميل الى أسلوب حياة يقل فيه النشاط والحركة مقارنة بالعقود الماضية. ونمط الحياة هذا يعني شيئين، أن العضلات الضعيفة ستستمر في الضعف، بينما العضلات المفرطة النشاط ستصبح أقصر وتزداد درجة توترها.

 إن استمرار حالة عدم التوازن هذه في أطوال العضلات حول المفاصل سيؤثر بالطبع على كفاءة حركة المفاصل، وسيؤدي الى ظهور أنماط حركية خاطئة، مما يزيد من احتمال الألم والإصابة بالإضافة إلى ضعف الأداء، إذ أن وجود عضلات مفرطة النشاط حول المفاصل سيؤدي إلى وجود قوى سحب غير متوازنة وغير متساوية، مما يجبر المفاصل والعضلات المحيطة بها على العمل بجهد أكبر لتحقيق الاستقرار ومقاومة هذه القوى غير الطبيعية.

ويتجاوز الألم والانزعاج منطقة أسفل الظهر، حيث يؤثر هذا النمط من التشوهات الوضعية إلى زيادة الإجهاد والضغط الميكانيكي على الركبتين والعضلات المأبضية(Hamstring Complex) . فمثلاً يؤدي النشاط المفرط للعضلة الحرقفيَّة القطنيَّة (Illiopsoas) وهي من مجموعة العضلات المسؤولة عن ثني الورك، إلى التقليل من التحفيز العصبي للعضلات المضادة لها المسؤولة عن مَدْ الورك، وبالتحديد العضلة الألوية الكبرى لكونها المُحرِّك الرئيسي لمَدْ الورك، الأمر الذي يُضعف العضلة الأَلَوِيَّة الكبرى، ويدفع بمجموعة العضلات المأبضية لتعمل بجهد أكبر كمجموعة عضلية مساندة للتعويض عن القصور في أداء العضلة الألوية، وهذا مثال على الهيمنة التآزرية التي ذكرناها سابقاً، حيث تعمل المجموعة المأبضية عمل العضلة المُحرِّكة الرئيسية، مما يمكن أن يسبب مع الوقت تمزق في وتر عضلة الفخذ الخلفية-المأبضية(Hamstring Strain)  نتيجة للإجهاد غير الطبيعي.

الشكل رقم (11)
  • متلازمة التشابك العلوية(Upper Crossed Syndrome – UCS)

أنظر الشكل رقم (12) الذي يبين وضعية الجسم في حال وجود متلازمة التشابك العلوي، حيث نلاحظ تقدم الرأس للأمام وبروز الذقن واستدارة الكتفين مع وجود تحدب في الظهر(Hyperkyphosis). وكما نعرف فإن الشكل الطبيعي للعمود الفقري يتضمن تحدباً بسيطاً في منطقة الفقرات الصدرية، إلا أنه إن زاد عن حده الطبيعي فسيؤثر على وظيفة حزام الكتف بالكامل (Shoulder Girdle).

كما نلاحظ استدارة الكتفين نتيجة حدوث إطالة أو تبعيد للوحي الكتف عن بعضهما البعض

Shoulder Blades)  (Protracted، الأمر الذي سيؤثر أيضاً على الوضعية الطبيعية لحزام الكتف، وعلى موقع مفصل الكتف الحُقَاني العضُدي(Glenohumeral Joint-GH) ، ما يتسبب بدوران الذراعين إلى الداخل نحو وسط الجسم (Internal Rotated Arms).

إن السبب في ظهور هذا النمط هو عدم التوازن العضلي المتمثل بوجود عضلات تعاني من فرط النشاط في الجزء العلوي من الجسم (منطقة الصدر والرقبة) من الأمام ومن الخلف، يقابلها عضلات مضادة تعاني من ضعف أو قلة في النشاط.  وتنتج حالة عدم التوازن العضلي هذه عن الوضعية الخاطئة التي نستخدم بها أجسامنا، ومجدداً سنلقي اللوم على نمط الحياة العصري الذي يعيشه ملايين الأشخاص اليوم والذين يستخدمون الأجهزة الإلكترونية مثل الهاتف الخلوي أو الكمبيوتر المحمول أو الكمبيوتر المكتبي، وكذلك مشاهدة التلفاز، فنحن نقضي ساعات وساعات في النظر إلى الشاشة مع تحريك الرأس للأمام.

كما تساهم النشاطات التي تضع الذراعين في وضعية دوران داخلي لوقت طويل مثل قراءة الكتب أو قضاء وقتاً طويلاً خلف عجلة القيادة أو ممارسة فنون الحياكة والتطريز أيضاً بظهور حالة من عدم التوازن العضلي حول لوحي الكتف والفقرات العنقية، الأمر الذي يترتب عليه ظهور الأوجاع والآلام التي تتعدى منطقة الرقبة والرأس، لتؤثر على كافة أجزاء السلسة الحركية إذا تركت من دون تصحيح.

يوضح الجدول رقم (16) العضلات التي تتأثر بالوضعيات الخاطئة التي نفرضها على العمود الفقري أثناء ممارساتنا اليومية وتسبب مع الوقت ظهور هذا النمط من التشوهات الوضعية.

الشكل رقم (12)
الجدول رقم (16)

تذكّر أن…

تذكّر وأنت تقوم بعملية التقييم أن الجسم عبارة عن سلسلة واحدة مترابطة من الأجزاء المتحركة، وإن حدث تغيير في الحركة أو في الوضعية فهو لا يحدث بشكل منعزل، فأي تغيير يحدث في مكان معين نتيجة لخلل عضلي سيرافقه تغيير في مكان آخر كنوع من التعويض نتيجة لحدوث هذا الخلل.

 وإذا أصبحت هذه التغييرات في الوضعية أنماطاً متكررة، فإنها ستؤثر على صحة وسلامة السلسة الحركية، إذ انها ستسبب إرباكاً للعضلات وستؤثر بالتالي على عمل المفاصل، ما يدفع الجسم للقيام بالحركات بشكل خاطئ.

وبسبب الترابط الوثيق بين أجزاء الجسم، فإن أي واحدة من المتلازمات السابقة قد تؤدي إلى وجود الاخرى. لذلك من المهم ان تكون نقطة البداية لأي برنامج تدريبي هي التقييم، فمن الضروري أن تلاحظ وتحدد وتسجل كل الاختلالات العضلية الهيكلية التي يعاني منها المُتدرِّبين، لإعدادهم بشكل أكثر ملاءمة لبدء أو لمواصلة برنامجهم التدريبي بدون قيود أو محددات للحركة.

كيف نقوم بتقييم الوضعية الثابتة؟

هناك العديد من العناصر التي يجب أخذها بعين الاعتبار عند القيام بالتقييم المُفصّل لوضعية الجسم الثابتة. حيث يجب أن تتحقق من وجود الاتساق والتوازن والتماثل في شكل الجسم، وتتأكد من وجود التوازن العضلي، وكذلك يجب أن تبحث عن جود أية تشوهات وضعية من أنماط التشوهات التي ناقشناها في السطور السابقة.

لعمل التقييم الشامل لوضعية المُتدرِّب، من المهم أن تنظر إلى جسم المُتدرِّب نظرة شاملة وهو في وضعية حَمل الوزن (أي الوقوف)، ومن الجهات الثلاثة التي ذكرناها سابقاً، وهي الجهة الأمامية والخلفية والجانبية.

نقاط التحقق من السلسة الحركية

تتطلب عملية تقييم وضعية الجسم مراقبة السلسلة الحركية، والطريقة الأفضل لتتمكن من مشاهدة الجسم بشكل منهجي وبطريقة منظمة، هي باستخدام ما يعرف بنقاط التحقق من السلسلة الحركية (Kinetic Check Points). وتشير هذه النقاط إلى الى نقاط التفمصُل الرئيسية في الجسم، وتشمل:

  1. القدم والكاحل (Ankle and Foot Complex) .
  2. الركبة .(Knee)
  3. المجموعة القطنية الحوضية الوركية (Lumbo-Pelvic-Hip Complex/LPHC).
  4. الأكتاف .(Shoulders)
  5. الرأس والفقرات العنقية Head and Cervical Spine)).
  6. المنظر الأمامي  (Anterior View)

عند النظر إلى الجسم من الجهة الأمامية كما في الشكل رقم (13) وباتباع نقاط التحقق، يجب أن يكون الشكل العام للقوام كالتالي:

  1. القدم / الكاحل: استقامة وتوازي، دون تسطُّح أو انبساط (Flattened) أو دوران للخارج

(External Rotation).

  • الركبتين: متماشيتين مع أصابع القدم، غير متباعدتين (Abducted) أو متقاربتين(Adducted) .
  • المجموعة القطنية الحوضية الوركية: الحوض مستوي(Level) ، وكلاً من الشوكتين الحَرقفيتيّن الأماميتين العلويتين (Anterior Superior Iliac Spines-ASIS) في نفس المستوى الأفقي (المستعرض).
  • الكتفين: مستويين، بدون ارتفاع (Elevation) أو إطالة (تبعيد)(Protraction)  للوحيّ الكتف.
  • الرأس: في الوضع الطبيعي المعتدل(Neutral Position) ، ليس مائلاً  (Tilted) أو مستديراً(Rotated) .
  • المنظر الجانبي  (Lateral View)

عند النظر إلى الجسم من الجهة الجانبية كما في الشكل رقم (13) وباتباع نقاط التحقق، يجب أن يكون الشكل العام للقوام كالتالي:

  1. القدم / الكاحل: في الوضعية الطبيعية المعتدلة، الساق عمودية بزاوية قائمة على أخمص القدم.
  2. الركبتين: في الوضعية الطبيعية المعتدلة، بدون ثني (Flexion) أو مَدْ (Extension) بشكل مفرط.
  3. المجموعة القطنية الحوضية الوركية: الوضعية الطبيعية المعتدلة للحوض، بدون انحناء إلى الأمام  

 (Anteriorly Tilted) أو إلى الخلف (Posteriorly Tilted).

  • الكتفين: وجود المنحنى طبيعي، بدون استدارة مفرطة (Rounded Shoulders) .
  • الرأس: في الوضعية الطبيعية المعتدلة، بدون مَدْ مفرط لفقرات الرقبة(Cervical Extension)  والذي إن وُجِد سيجعل الرأس بارزاً  للأمام (Jutting Forward).

المنظر الخلفي (Posterior View)

عند النظر إلى الجسم من الجهة الخلفية كما في الشكل رقم (14)، وباتباع نقاط التحقق، يجب أن يكون الشكل العام للقوام كالتالي:

  1. القدم / الكاحل: الكعبين مستقيمين ومتوازيين، غير منبسطين بشكل مفرط.
  2. الركبتين: في الوضعية الطبيعية المعتدلة، غير متباعدتين أو متقاربين.
  3. المجموعة القطنية الحوضية الوركية: الحوض مستوي، وكلاً من الشوكتين الحَرقفيتيّن الخلفيتين العلويتين (Posterior Superior Iliac Spines-PSIS) في نفس المستوى الأفقي (المستعرض).
  4. الكتفين / عظم الكتف: في المستوى الطبيعي، دون ارتفاع أو إطالة (تبعيد) للوحي الكتف ما يسبب استدارة مفرطة للكتف، بحيث تكون الحدود الوسطية(Medial Boarders)  للوحيّ الكتف متوازية ومتباعدة بما يقارب 3 – 4 بوصات (أي تقريباً 7.5-10 سم).
  5. الرأس: في الوضعية الطبيعية المعتدلة، ليس مائلاً أو مستديراً.

تقييم الوضعية “الديناميكية” الحركية

(Dynamic Postural Assessment)  

غالباً ما يُنظر لوضعية الجسم أو للقوام على أنها وضعية ثابتة بدون حركة، إلا أن للقوام طبيعة ديناميكية أيضاً تمكننا من تغيير وضعية الجسم خلال اليوم وبشكل مستمر بما يتلاءم مع متطلبات الحركة، وهذا يُحتِّم عليك وبمجرد الانتهاء من تقييم الوضعية الثابتة، أن تقوم بعملية تقييم للوضعية الحركية للجسم.

المقصود بتقييم الوضعية الحركية هي ملاحظة الطريقة التي يتحرك بها الشخص، ومن شأن هذا التقييم أن يُعزز النتائج التي قد حصلت عليها من عملية تقييم الوضعية الثابتة للجسم. بالإضافة إلى أنه يمكن أن يُظهر جوانب أو نقاط ضعف تتعلق بكفاءة عمل الجهاز الحركي لم يتم الكشف عنها أثناء تقييم الوضعية الثابتة، ويُعتبر هذا النوع من التقييم هو أسرع طريقة للحصول على انطباع عام عن الحالة البنيوية والوظيفية للسلسة الحركية.

فمن خلال مراقبة حركة الشخص يمكن أن نكتشف وجود أنماط حركية خاطئة (تعويضات) ناتجة عن وجود اختلالات عضلية وتشوهات وضعية في أماكن مختلفة من السلسة الحركية. ولا شك أن مثل هذا النوع من اختبارات اللياقة قد أصبح الآن أكثر أهمية من أي وقت مضى، وذلك لأن الشخص العادي بات يجلس كل يوم منحنياً في أغلب الأوقات على لوحة مفاتيح الكمبيوتر بسبب نمط الحياة العصري، وقد نتج عن هذه الظاهرة ما يشبه الوباء من حيث حالة الضعف العضلي وفقدان المرونة في الجزئين العلوي والسفلي من الجسم، مما أدى الى تفشي التشوهات الوضعية التي ناقشناها سابقاً بشكل كبير.

كما ومن المؤسف أننا أصبحنا نرى هذه الاختلالات في السلسلة الحركية أكثر شيوعاً بين الأجيال الصغيرة بسبب قلة النشاط البدني وتزايد استخدام التكنولوجيا حتى من قبل الأطفال الذين لم يبلغوا بعد سن الدراسة.

عند القيام بتقييم أنماط الحركة من الضروري أن ننظر الى كيفية قيام الشخص بمجموعة من الحركات الوظيفية، والتي تُمثل الحركات التي يستخدمها في حياته اليومية لأداء الوظائف الأساسية المختلفة مثل حركة القرفصاء(Squatting)  عند الجلوس و القيام، والدفع(Pushing) ، والشد أو السحبPulling) )، وكذلك القدرة على التوازن(Balance) . فعند القيام بالتقييم بهذه الطريقة، نحن في الحقيقة نبحث عن وجود أي اختلالات تشريحية أو وظيفية أو بيوميكانيكية، والتي من شأنها أن تُعرض المُتدرِّب للإصابة أو تقلل من أدائه، سواء داخل مراكز اللياقة البدنية أو خارجها، مثل بيئة العمل أو المنزل.

وتجدر الإشارة إلى أن هناك العديد من الاختبارات التي يمكن أن يقوم بها مُدرِّب اللياقة البدنية لتقيم الكفاءة الحركية للمُتدرِّب، إلا أننا سنكتفي بذكر أحد أهم هذه الاختيارات، وهو اختبار القرفصاء مع رفع الذراعين.

تقييم حركة القرفصاء مع وضعية رفع الذراعين

(Overhead Squat Assessment-OHSA)

أهمية التقييم

هذا النوع من اختبارات اللياقة هو أول نظرة حقيقية لك على حركة المُتدرِّب، إذ يُمكِّنك من تحليل كل جزء من أجزاء السلسلة الحركية فأنت ستقوم بتقييم شامل من الرأس إلى أخمص القدمين لذلك يمكن اعتبار هذا الاختبار بمثابة الاختبار المثالي لقياس الكفاءة الوظيفية للجهاز العضلي الهيكلي. والهدف الاساسي من هذا التقييم هو تقييم قدرة المُتدرِّب على التحكم بالحركة، والمرونة الحركية (Dynamic Flexibility)، وقوة العضلات المركزية

 (Core Strength)، والقدرة على التوازن (Balance)، والتوافق العصبي العضلي

 (Neuromuscular Coordination).

كيف يمكن أن نضمن دقة النتائج؟

إن اختبار الحركة هذا هو من الاختبارات سهلة التطبيق إلى حد ما، إلا أن هناك بروتوكولات خاصة يجب إتباعها لضمان صحة النتائج، إذ يُعتبر هذا التقييم مقياساً صحيحاً وموثوقاً لأنماط حركة الأطراف السفلية إذا ما تم القيام به بالطريقة الصحيحة وذلك عن طريق تطبيق البروتوكولات المعيارية اللازمة أثناء القيام بالتقييم.

 للحصول على نتائج دقيقة يجب ترك المُتدرِّب يقوم بالحركة بأقل درجة من التوجيه والتدخل من المُدرِّب، لأن الهدف هو أن نلاحظ كيف يتحرك الشخص في حياته اليومية، سواء كان “تكنيك” الحركة صحيحاً أم لا. فأثناء هذا التقييم نحن لا نريد أن نُغيّر المسار الذي يرغب جسم المُتدرِّب باتخاذه، لأنه يمثل المسار المعتاد بالنسبة له، والذي من شأنه أن يُظهر وجود أية اختلالات عضلية أو نقص في المرونة يعاني منه المُتدرِّب. وقد يبدو هذا متناقضاً مع دورك كمُدرِّب شخصي، إلا أنه يضمن أن نتائج الاختبار ستكون صحيحة ولا غبار عليها. فالغاية هنا هي تحديد نقاط الضعف وليس تصحيح شكل المُتدرِّب أو تقنية الحركة، الأمر الذي قد يأتي لاحقاً وبعد الانتهاء من التقييم.

تذكّر أنك تريد أن يكشف هذا الاختبار عن الانحرافات في الوضعية الحركية الناتجة عن الاختلالات العضلية وليس بسبب عدم فهم المُتدرِّب لكيفية القيام بوضعية القرفصاء، إذ من المحتمل أن بعض الأفراد قد لا يكونوا قد مارسوا القرفصاء من قَبْل. فإذا اشتبهت أثناء الاختبار أن الخلل في الحركة ناتج عن عدم الإلمام بكيفية القيام بالقرفصاء، فسيكون هناك ما يبرر بعض الإرشاد منك ولكن بالحد الادنى كما قلنا.

أسهل طريقة لإرشاد المُتدرِّب للقيام بالحركة هو أن تطلب منه أن يتخيل أن وراءه كرسي وأن يتظاهر بالجلوس عليه، وفي بعض الأحيان قد تحتاج أن توفر كرسي للمُتدرِّب للجلوس عليه إذا دعت الحاجة، كما من الممكن أن تُظهر للمُتدرِّب كيفية القيام بالاختبار من خلال قيامك أنت بنفس الحركة. 

خبرتك هنا ستلعب دوراً كبيراً، لذلك عليك أن تتمرن على كيفية القيام بهذا الاختبار لتتمكن من القيام به مع المُتدرِّبين وأنت واثق من دقة ملاحظاتك، وبالتالي نتائج التقييم.

خطوات تقييم الحركة

  1. يجب على المُتدرِّب أولاً أن يخلع حذاءه للقيام بالتقييم والسبب أن معظم الأحذية تختلف في الارتفاع من إصبع القدم حتى الكعب، إذ يعمل ارتفاع الكعب في معظم الأحذية على توجيه وزن الفرد للأمام، مما يؤدي إلى التأثير على صحة النتائج. ومن المهم أيضاً أن تتمكن من رؤية حركة الكاحل والقدم أثناء الاختبار، لذلك يجب خلع الحذاء وحتى الجوارب إن أمكن.
  2. أُطلب من المُتدرِّب أن يرفع يديه بصورة مستقيمة مع مَدْ المرفقين بالكامل، وأن يقرفص للأسفل بقدر ما يستطيع (ما يقارب ارتفاع مقعد كرسي)، ثم العودة إلى وضعية البداية كما في الشكل رقم (15)، مع تكرار هذه العملية قرابة 5 مرات. قد تبدو هذه التعليمات للوهلة الاولى وكأنها تفتقر للوضوح والدقة المتوقعة منك كمُدرِّب أثناء عملية التدريب وأنت على حق في ذلك لأنك هنا لا تقوم بالتدريب، وإنما هدفك أن ترى كيف يتحرك المُتدرِّب بالطريقة التي أعتاد هو عليها، لذلك فإن أدنى حد من الإرشاد هو أضمن طريقة للحصول على أفضل النتائج الممكنة.

3.يجب القيام بتقييم المُتدرِّب من عدة جهات (الأمامية والجانبية في هذه الحالة) إذ يضمن التحقق من الحركة من جهات متعددة إمكانية أن تلتقط أكثر قدر ممكن من الانحرافات في الوضعية الحركية مهما كانت بسيطة أو صعبة الملاحظة. وسيكون من المفيد جداً أيضاً أن تقوم بتسجيل مقطع فيديو أو أن تلتقط صوراً للمُتدرِّب أثناء تنفيذه للحركة، بعد أخذ الإذن منه بالطبع وموافقته على ذلك.

4.يجب استخدام النقاط الخمسة للتحقق من السلسلة الحركية والتي استخدمناها سابقاً في تقييم الوضعية الثابتة، أثناء مراقبة حركات المُتدرِّب لتتمكن من مشاهدة الجسم بشكل منهجي وبطريقة منظمة.

نقاط الملاحظة

  1. لاحظ القدمين والكاحلين والركبتين من الأمام، يجب أن تظل القدمان مستقيمتان مع بقاء الركبتين موازيتين للقدم (بالتحديد مع أصبعي القدم الثاني والثالث). كما في المنظر الأمامي من الشكل رقم (15).
  2. لاحظ المجموعة القطنية الحوضية الوركية والكتفين والرأس من الجانب، يجب أن يبقى عظم الظنبوب موازياً للجذع، وتبقى الذراعين على استقامة واحدة مع الجذع كما في المنظر الجانبي من الشكل رقم (15).

التعويضات: المنظر الامامي

للتحقق من وجود أي أنماط حركية خاطئة أو تعويضات أثناء القيام بحركة القرفصاء مع رفع الذراعين كما في الشكل رقم (16)، علينا أن نجيب على الاسئلة التالية:

  • القدم / الكاحل: هل القدمان منبسطتان، الصورة A؟ وهل هناك دوران للقدم والكاحل للخارج،

الصورة B؟

  • الركبتين: هل تتحرك أو تصطك الركبتان إلى الداخل (هل يوجد تقريب ودوران إلى الداخل)، الصورة C؟ وبالمقابل هل هناك تبعيد أو حركة للركبتين للخارج، الصورة D؟

التعويضات: المنظر الجانبي

للتحقق من وجود أية تعويضات أثناء القيام بحركة القرفصاء مع رفع الذراعين كما في الشكل رقم (17)، علينا أن نجيب على الأسئلة التالية:

  • المجموعة القطنية الحوضية الوركية:
    • هل يتقوس الجزء السفلي من الظهر، الصورة A؟ بالمقابل هل هناك إنحناء مفرط في أسفل الظهر، الصورة B؟
    • هل يميل الجذع إلى الأمام بشكل مفرط، الصورة C؟
  • الكتف: هل تميل وتسقط الذراعان إلى الأمام، الصورة D؟

بعد أن تنتهي من التقييم ستقوم بالإجابة على الأسئلة المذكورة أعلاه، وتعبأ النتائج في الجدول رقم (17).

 لا داعي هنا أن تُخبر المُتدرِّب بجودة أو ضعف الأداء، لأن الهدف هنا تقييم الحركة وليس تحسين الأداء، كل ما عليك فعله هو تسجيل ملاحظاتك، كما وعليك أن تشرح للمُتدرِّب قبل البدء بالتقييم الهدف من هذا الاختبار لكي يكون مرتاحاً أثناء أداء التقييم.

وحسب نتائج الاختبار، وبالاستعانة بقائمة الحلول للوضعيات الحركية الموضحة في الجدول رقم (18)[1] المرفق في نهاية هذا القسم (صفحة 83-86[ZA1] )، ستتمكن من تحديد العضلات المسؤولة عن الاختلالات العضلية التي ظهرت أثناء التقييم، والتي ستكون الأساس الذي ستبني علية لاحقاً خطتك التدريبية، فمثلاً إذا لاحظت أثناء اختبار القرفصاء مع رفع الذراعين أن ركبتي المُتدرِّب تتحركان الى الداخل كما في الشكل رقم 16- صورة A، فإن هذه الوضعية مرتبطة بوجود:

  • خمول في العضلات المسؤولة عن حركة التبعيد لمفصل الورك  (Hip Abduction)مثل العضلة الأَلَوِيَّةُ الوسطى (Gluteus Medius).
  • خمول في العضلات المسؤولة عن الدوران الخارجي للورك(External Hip Rotation)  مثل العضلة الألوية الكبرى(Gluteus Maximus)  والألياف الخارجية للعضلة الألوية الوسطى.
  • زيادة في نشاط العضلات المقربة للورك(Hip Adductor Complex) .

مثل هذه النتائج تشير إلى أن التعويضات التي لوحظت خلال عملية التقييم للوضعية الحركية قد تكون ناتجة عن تغييرات في حركة المفاصل نتيجة لوجود حالة من عدم التوازن حول المفاصل سببها زيادة نشاط عضلات معينة، وبالمقابل خمول عضلات أُخرى، وكذلك تغييرات في التحكم العصبي العضلي بشكل عام

(Neuromuscular Control)، الأمر الذي ينتج عنه ليس فقط أنماطاً حركية خاطئة، وإنما يزيد من احتمالية تعرض الشخص للعديد من إصابات الجهاز الحركي.

الجدول رقم (17)

[1] NASM Essentials of Personal Fitness Training, 6th Edition

بعد تحديد العضلات التي تعاني من فرط النشاط (وهو الأمر الذي يؤدي إلى قِصرها)، عليك الآن وضع برنامج المرونة التصحيحية المناسب (Corrective Flexibility)، والذي يهدف إلى إعادة التوازن العضلي حول المفاصل عن طريق استهداف العضلات التي تعاني من فرط النشاط، حيث تهدف تمارين المرونة التصحيحية إلى إعادة العضلة إلى طولها المناسب، وبالتالي معالجة الاختلالات العضلية وتحسين المدى الحركي للمفصل وتصحيح حركة المفاصل، ما يؤدي إلى تحسين مستوى التحكم العصبي العضلي.

أما بالنسبة للعضلات قليلة النشاط، فهي ستحتاج إلى وضع برنامج تدريبي يهدف إلى تنشيط وتقوية هذه العضلات الخاملة، لتحسين جودة حركة المُتدرِّب وتقليل خطر الإصابة، وكذلك رفع مستوى الأداء الرياضي.

تعديل بسيط!

للاستفادة من جدول تحليل النتائج على أحسن وجه، هناك بعض التعديلات التي يمكنك القيام بها لتحديد مواقع الخلل بشكل أفضل وأدق.

إذ ذكرنا سابقاً أن هناك ارتباطاً وثيقاً بين أجزاء السلسة الحركية، ووجود خلل في مكان معين قد ينتقل تأثيره إلى أماكن أخرى أعلى أو أسفل السلسلة، فكيف يمكن أن نحدد أصل المشكلة؟

لتوضيح الصورة أكثر سنستعرض معكم حالتين يمكنكم الاستفادة منها هنا:

  1. تعديل وضعية كعب القدم – الكعب المرفوع (Heels Elevated Overhead Squat)

إذا أظهر المُتدرِّب تعويضات تتعلق بالقدم (مثل دوران القدمين للخارج / تسطُّح القدمين)، أو بالركبة (مثل تحرُّك الركبتين للداخل)، أو بالمجموعة القطنية الحوضية الوركية (مثل الميلان المفرط للأمام)، فمن المحتمل أن تكون هذه التعويضات ناتجة بشكل رئيسي أما عن اختلالات عضلية في منطقة الساق، أو عن اختلالات في التوازن العضلي في منطقة الفخذ.

 يمكن أن تلاحظ من الجدول رقم (18) إن هناك عوامل مشتركة بين أسباب هذه التعويضات، مثل العضلة النعَّلية وعضلة الساق من عضلات الأطراف السفلية، وعضلة الفخذ الثنائية الرؤوس والعضلة المُوَتِّرَة للِّفافَة العَريضَة من عضلات الفخذ. وهنا من الممكن أن نقوم بتعديل بسيط على الاختبار لمعرفة ما إذا كان التغيُّر في المدى الحركي للكاحل هو السبب الرئيسي وراء حدوث هذه التعويضات، أم أن السبب يتعلق باختلالات عضلية حول المجموعة القطنية الحوضية الوركية.

الجدير بالذكر، أن التغيُّر في المدى الحركي الطبيعي للكاحل ينتج عن الاختلال العضلي في منطقة القدم/الكاحل، أي نقطة التحقق الأولى في السلسة الحركية. فمثلاً قد يكون السبب زيادة نشاط عضلة الساق والعضلة النعلية، وقلة نشاط عضلة الظنبوب الامامية، ما يقلل من قدرة الشخص على القيام بحركة الثني الظهراني

(Lack of Dorsiflexion)  المطلوب للقيام بالقرفصاء بالشكل الصحي، الأمر الذي يدفع الشخص للتعويض بدوران القدمين للخارج أو تقريب الركبتين أو بإمالة الجذع للأمام بشكل مفرط أثناء حركة القرفصاء.

كخطوة إضافية لتحديد سبب التعويض بدقة أفضل، عليك أن تقوم برفع كعبي المُتدرِّب عن الأرض تقريباً مسافة بوصتان (ما يقابل 5سم) باستخدام لوح أو قطعة فلينHalf Foam RollerBlock) ) أثناء القيام بالاختبار مما يقلل من درجة الثني الظهراني المطلوبة للقرفصاء، وبالتالي يزيل دور الكاحل من المعادلة.

في هذه الحالة إذا تمكن المُتدرِّب من القيام بالقرفصاء من دون أي تعويضات، فهذا مؤشر على أن سبب التعويض هو نقطة القدم/الكاحل بشكل رئيسي.

هنا سيكون عليك إضافة تمارين المرونة التصحيحية لعضلات الساق إلى برنامجك التدريبي كنقطة بداية، للتقليل من فرط النشاط في عضلات الساق، وبالتالي تحسين المدى الحركي للكاحل، أما إذا لم يلغِ هذا التعديل وجود التعويضات الحركية، فهذا مؤشر على أن المشكلة سببها بشكل رئيسي الاختلالات العضلية حول نقطة التحقق الثالثة، أي المجموعة القطنية الحوضية الوركية، وعليك أن توجه اهتمامك إلى العضلات التي من المحتمل أن تكون السبب وراء هذا الاختلال وبحسب الجدول رقم (18).

  •  تعديل وضعية اليدين – وضع اليدين على الوركين (Hands-On- Hips Squat)

إذا أظهر المُتدرِّب تقوساً مفرطاً في منطقة أسفل الظهر، فمن الممكن عمل تعديل بسيط على اختبار القرفصاء لنقترب أكثر من السبب الرئيسي للمشكلة، إذ من الممكن أن يحدث هذا التعويض نتيجة لزياده نشاط العضلة الظَهرية العريضة(Latissimus Dorsi) ، وكذلك من الممكن أن يكون السبب الرئيسي هو اختلال التوازن العضلي حول مفصل الورك، كما هو الحال عند زيادة نشاط العضلات المسؤولة عن ثني الورك مثل العضلة المُوَتِّرَة للِّفافَة العَريضَة(TFL)  والعضلة القَطَنيَّة (Psoas) والعضلة الفخذية المستقيمة(Rectus Femoris)، أو ضعف العضلات المسؤولة عن مركز الجسم.(Intrinsic Core Stabilizers)  

ولعمل هذا التعديل على الاختبار عليك أن تطلب من المُتدرِّب وضع اليدين على جانب الوركين ومن ثم إعادة حركة القرفصاء، فإذا أدى التعديل إلى اختفاء التقوس المفرط في الظهر، فيمكنك أن تلقي باللوم هنا على عضلة الظهر العريضة كمسبب رئيسي لظهور هذا النمط التعويضي.

أما إذا لم يؤدِ إلى زوال التقوس المفرط، فهذا مؤشر على أن سبب المشكلة الرئيسي له علاقة بالاختلالات العضلية حول مفصل الورك، وفي حال أدى هذا التعديل على الاختبار لتحسين وضعية الظهر، ولكن لم يختفِ التقوس المفرط بالكامل، فإن هذا مؤشر على أن المشكلة لها علاقة بالعضلة الظهرية، وكذلك بمفصل الورك.

وتجدر الإشارة إلى أنه إذا رافق تقوس الظهر، سقوط الذراعان إلى الأمام عند القيام باختبار القرفصاء مع رفع الذراعين، فهذا مؤشر أقوى على أن العضلة الظهرية العريضة تعاني من فرط النشاط، وهي المسؤول الرئيسي عن هذه التعويضات، إذ أن عملية رفع الذراعين إلى الأعلى بالشكل الصحيح أي حركة ثني مفصل الكتف

 Shoulder Flexion)) تحتاج إلى وجود المرونة الكافية في العضلة الظهرية العريضة، وفرط النشاط يجعلها مشدودة ويؤثر على الطول الأمثل الذي يجب أن تكون عليه لتعمل بكفاءة، ما سيؤثر بدوره على المدى الحركي لمفصل الكتف، وبالتالي يجب أن يكون تركيزك الأساسي كبداية على اختيار تمارين المرونة التصحيحية المناسبة لإعادة هذه العضلة إلى وضعها الطبيعي، ومن ثم العمل على تقوية العضلات الضعيفة والظاهرة في الجدول رقم (18).

ماذا بعد تقييم القرفصاء؟

إذا لاحظت بعد الانتهاء من أداء التقييم أن المُتدرِّب لا يعاني من أي نوع من التعويضات، فمن الممكن أن تنتقل بالمُتدرِّب إلى مراحل متقدمة أكثر من الاختبارات إذا كنت ترغب بالحصول على المزيد من المعلومات، أو أن تبدأ في وضع الخطة التدريبية بما يتناسب مع نتائج التقييم التي حصلت عليها من الاختبارات التي قمت بها لغاية هذه المرحلة من عملية تقييم اللياقة البدنية، وبما يتماشى مع أهداف المُتدرِّب.

اختبارات أخرى ما بعد القرفصاء

ذكرنا في بداية الحديث عن تقيم الوضعية الحركية بأننا سنناقش أكثر الاختبارات أهمية، وهو اختبار القرفصاء مع رفع الذراعين، وسنكتفي فقط بذكر الاختبارات الأخرى التي يمكن القيام بها بعد الانتهاء من اختبار القرفصاء، وتشمل:

  • تقييم حركة القرفصاء بساق واحدة(Single Leg Squat Assessment)

يهدف هذا الاختبار لتقيم ثبات واستقرار الركبة والمجموعة القطنية الحوضية الوركية.

  • تقييم حركة الدفع(Push Assessment)

يهدف هذا الاختبار لتقيم فعالية وكفاءة الحركة، وكذلك يكشف عن وجود أي اختلالات عضلية محتملة أثناء القيام بحركة الدفع.

  • تقييم حركة السحب(Pull Assessment)

يهدف هذا الاختبار لتقيم فعالية وكفاءة الحركة، وكذلك يكشف عن وجود أي اختلالات عضلية محتملة أثناء القيام بحركة السحب.